الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
166
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
رَفِيعُ الدَّرَجاتِ خبر عن مبتدأ محذوف هو ضمير اسم الجلالة في قوله : فَادْعُوا اللَّهَ [ غافر : 14 ] وليس خبرا ثانيا بعد قوله : هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آياتِهِ [ غافر : 13 ] لأن الكلام هنا في غرض مستجدّ ، وحذف المسند إليه في مثله حذف اتّباع للاستعمال في حذف مثله ، كذا سماه السكاكي بعد أن يجري من قبل الجملة حديث عن المحذوف كقول عبد اللّه بن الزّبير أو إبراهيم بن العباس الصولي أو محمد بن سعيد الكاتب : سأشكر عمرا إن تراخت منيتي * أيادي لم تمنن وإن هي جلّت فتى غير محجوب الغنى عن صديقه * ولا مظهرا للشكوى إذا النعل زلّت و رَفِيعُ يجوز أن يكون صفة مشبهة . والتعريف في الدَّرَجاتِ عوض عن المضاف إليه . والتقدير : رفيعة درجاته ، فلما حول وصف ما هو من شؤونه إلى أن يكون وصفا لذاته سلك طريق الإضافة وجعلت الصفة المشبهة خبرا عن ضمير الجلالة وجعل فاعل الصفة مضافا إليه ، وذلك من حالات الصفة المشبهة يقال : فلان حسن فعله ، ويقال : فلان حسن الفعل ، فيؤول قوله : رَفِيعُ الدَّرَجاتِ إلى صفة ذاته . و الدَّرَجاتِ مستعارة للمجد والعظمة ، وجمعها إيذان بكثرة العظمات باعتبار صفات مجد اللّه التي لا تحصر ، والمعنى : أنه حقيق بإخلاص الدعاء إليه . ويجوز أن يكون رَفِيعُ من أمثلة المبالغة ، أي كثير رفع الدرجات لمن يشاء وهو معنى قوله تعالى : نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ * [ يوسف : 76 ] . وإضافته إلى الدَّرَجاتِ من الإضافة إلى المفعول فيكون راجعا إلى صفات أفعال اللّه تعالى . والمقصود : تثبيتهم على عبادة اللّه مخلصين له الدين بالترغيب بالتعرض إلى رفع اللّه درجاتهم كقوله : يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ في سورة المجادلة [ 11 ] . و ذُو الْعَرْشِ خبر ثان وفيه إشارة إلى أن رفع الدرجات منه متفاوت . كما أن مخلوقاته العليا متفاوتة في العظم والشرف إلى أن تنتهي إلى العرش وهو أعلى المخلوقات كأنه قيل : إن الذي رفع السماوات ورفع العرش ما ذا تقدّرون رفعه درجات عابديه على مراتب عبادتهم وإخلاصهم . وجملة يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ خبر ثالث ، أو بدل بعض من جملة رَفِيعُ الدَّرَجاتِ فإن من رفع الدرجات أن يرفع بعض عباده إلى درجة النبوءة وذلك أعظم رفع الدرجات بالنسبة إلى عباده ، فبدل البعض هو هنا أهم أفراد المبدل منه .